أولاً: أسماؤها:
١- «الإخلاص»، وسمِّيت بذلك:
- لأن في قراءتها خلاصا من عذاب الله.
- لأن فيها إخلاصا لله ﷻ من كل عيب ومن كل شريك.
- لأنَّها خالصةٌ لله ليس فيها أمر ولا نهي.
- لأنَّها أخلصت التوحيد لله، وقارئها وتاليها قد أخلص دينه لله.
٢- “قل هو الله أحد“: قال البخاري: باب فضل «قل هو الله أحد».
٣- التوحيد، والأساس.
٤- التَّفريد والتَّجريد والنَّجاة والولاية والمعرفة والنِّسبة والصَّمد والمعوِّذة والمانعة والمذكِّرة والنُّور والإيمان والمُقَشْقِشة والمعولة والبراءة.
ثانياً: تفسيرها:
{قل} الخطاب للرسول، وللأمة.
{هو الله أحد} أي هو الله ﷻ الذي تتحدثون عنه وتسألون عنه {أحد} أي: متوحد بجلاله وعظمته، ليس له مثيل، ولا شريك، بل هو متفرد بالجلال والعظمة.
{الله الصمد}: الكامل في صفاته، الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته.
ابن عباس: الصمد: الكامل في علمه، الكامل في حلمه، الكامل في عزته، الكامل في قدرته.
وقيل: هو الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، فجميع المخلوقات مفتقرة إليه.
{لم يلد} لأنه جل وعلا لا مثيل له، والولد مشتق من والده وجزء منه كما قال النبي ﷺ في فاطمة: «إنها بَضْعَةٌ مني»، والله لا مثيل له، ثم إن الولد إنما يكون للحاجة إليه، إما في المعونة على مكابدة الدنيا، وإما في الحاجة إلى بقاء النسل. والله مستغنٍ عن ذلك: {أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم}.
{لم يلد} رد على ثلاث طوائف منحرفة من بني آدم، وهم:
- المشركون: إن الملائكة بنات الله.
- واليهود: عزير ابن الله.
- والنصارى: المسيح ابن الله.
{وَلَمْ يُولَدْ} لأنّ كلّ مولود محدَثٌ وجسمٌ، وهو تعالى ليس بجسم ولا محدَث.
{ولم يكن له كفواً أحد} أي لم يكن له أحد مساوياً في جميع صفاته، فنفى الله ﷻ عن نفسه أن يكون والداً، أو مولوداً، أو له مثيل.
ثالثاً: فضائلها:
فضائل هذه السورة فكثيرة، وفوائدها عزيزة، حتى قال الأئمة الأعلام كالدَّارقطني وابن القيِّم: لم يصح في فضائل سورة مما صح في سورة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
١- هي نسبة الله والمعرفة به وصفته:
أبيِّ بن كعب: أنَّ المشركين قالوا للنبي ﷺ : يا محمَّد! انسب لنا ربك، فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
–وهي صفة الرحمن ونعته ﷻ، فمن رام وصفا لخالقه يليق بكماله وجلاله، وعزته وعظيم سلطانه، فليقرأ هذه السورة الكريمة، ففي «الصحيحين» عن عائشة أن النبي ﷺ : «بعَث رجلاً على سرِيَّةٍ، فكانَ يقرأُ لأصحابِه في صلاتهم فيختِمُ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، فلمَّا رجَعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ؛ فقال: «سَلُوهُ لأيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ»، فسألوه فقال: لأنَّها صِفة الرَّحمن، وأنا أحِبُّ أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ : «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ»،
ابن التِّين: “وقوله: لأنَّها صفة الرَّحمن؛ لأنَّ فيها أسماءَه وصفاتِه، وأسماؤُه مشتقَّة من أوصافه“.
٢- حب هذه السورة والقراءة بها في الصلاة يوجب محبَّة الله لمن قرأ بها:
لقوله في الحديث: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ»، وفي هذا دليل على أن سلامة المعتقد وحسن فهم التوحيد من أعظم أسباب محبة الله لعباده، وفيه دليل أيضا على استحباب قراءة الآيات التي تشمل على صفات الله خلافا للمبتدعة الذين يكرهون قراءة آيات الصفات عند العامة.
٣- حبها يوجب دخول الجنة:
- البخاري والترمذي-أنس قال: «كانَ رجلٌ من الأنصار يؤُمُّهم في مسجِد قُباء، وكان كلَّما افتتَح سورة يقرأ بها لهم في الصَّلاة ممَّا يقرأُ به افتتَح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ حتى يفرَغ منها، ثم يقرأ بسورةٍ أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كلِّ ركعة، فكلَّمه أصحابه فقالوا: إنَّك تفتتح بهذه السُّورة ثمَّ لا ترى أنَّها تجزئك حتَّى تقرأ بأُخرى، فإمَّا أن تقرأ بها، وإمَّا أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلِهم وكرهوا أن يؤمهم غيرُه، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: “يَا فُلاَنُ! مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ، وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟” فقال: إنِّي أحبُّها، فقال: “حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ“.
- مالك والترمذي والنسائي بإسناد صحيح-أبي هريرة يقول: “أقبلتُ مع النبي ﷺ فسمِع رجلاً يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾؛ فقال رسول اللهr: “وَجَبَتْ“، قلت: وما وجبت؟ قال: “الجَنَّةُ“.
- أحمد (حسن) معاذ بن أنس عن النبي ﷺ قال: “مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ حَتَّى يَخْتِمَهَا عَشر مَرَّاتٍ بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا فِي الجَنَّةِ“.
٤- قراءتها توجب مغفرة الذنوب:
الدارمي والنسائي في «عمل اليوم والليلة» بإسناد صحيح عن رجل من الصَّحابة يقول: «صحِبت رسول الله ﷺ في سفَرٍ، فسمع رجلاً يقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فقال: «قَدْ بَرِئَ مِنَ الشِّرْكِ»، وسمع آخر يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال: «غُفِرَ لَهُ».
٥- تكفي من الشَّر وتمنعه:
«السنن» إلا ابن ماجه عن عبد الله بن خُبيب قال: “خرَجنا في ليلةِ مطَرٍ نطلُب النبيَّ ﷺ ليصلِّي لنا، فأدركناه، فقال: «قُلْ!» فلم أقل شيئًا، ثم قال: «قُلْ!» فلم أقل شيئًا، ثم قلت: يا رسول الله! ما أقول؟ قال: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ”.
٦- الدُّعاء بها مستجاب:
- «السنن» و«مستدرك الحاكم» بإسناد صحيح عن عبد الله ابن بريدة عن أبيه أنَّ النبي ﷺ سمع رجلاً يصلِّي يدعو يقول: «اللهمَّ! إنِّي أسألُك بأنِّي أشهَدُ أن لا إلَه إلاَّ أنتَ، الأحدُ الصَّمدُ، الَّذي لم يلِد ولم يُولَد، ولم يكُن له كفوًا أحد» قال: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَأَلَهُ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ“.
- «المسند»، و«سنن أبي داود» عن محجن بن الأدرع أنَّ النبي ﷺ دخل المسجد فإذا برَجلٍ قد قضى صلاتَه وهو يتشهَّد وهو يقول: «اللَّهم! إنِّي أسألُك بأنَّك الواحدُ الأحَدُ الصَّمدُ الَّذي لم يلِد ولم يُولَد ولم يكُن له كفوًا أحد، أن تغفِر لي ذنوبي، إنَّك أنتَ الغفُور الرَّحيم»، فقال نبي الله ﷺ ثلاثَ مرَّاتٍ: «قَدْ غُفِرَ لَهُ».
٧- تضمنت الرد على اليهود والنصارى والمشركين وهي حجة الله على خلقه:
- السيوطي «الإكليل»: “فيها الرد على اليهود والنصارى والمجوس والمشركين والمجسمة والمشبهة والحلولية والاتحادية وجميع الأديان الباطلة“.
- البخاري «صحيحه»-أبي هريرة عن النبي ﷺ عن ربِّه: “كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّل الخَلْقِ بِأَهْوَن عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللُه وَلَدًا وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ“.
٨- أفضل سور القرآن ليس لها مثيل ولا شبيه في كتب الله المنزلة على رسله:
أحمد (صحيح) عقبة بن عامر قال: «لقيتُ رسول الله ﷺ فقال لي: «يَا عُقْبَةَ بْن عَامِرٍ! صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأعْطِ مَنْ حَرَمَكَ، وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ»، قال: ثم أتيتُ رسول الله ﷺ فقال لي: «يَا عُقْبَةَ بْن عَامِرٍ! أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ»، قال: ثم لقيتُ رسول الله ﷺ فقال: «يَا عُقْبَةَ بْن عَامِرٍ! أَلاَ أُعَلِّمُكَ سُوَرًا مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلاَ فِي الزَّبُورِ وَلاَ فِي الإِنْجِيلِ وَلاَ فِي الفُرْقَانِ مِثْلُهُنَّ! لاَ يَأْتِيَنَّ عَلَيْكَ لَيْلَةٌ إِلاَّ قَرَأْتَهُنَّ فِيهَا: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾»، قال عقبة: فما أتَت عليَّ ليلةٌ إلا قرأتهُنَّ فيها، وحقٌّ لي أن لا أدعهُنَّ وقد أمرني بهنَّ رسول اللهr.
٩- تعدل ثلث القرآن:
- البخاري-أبي سعيد الخدري أن: «رجلاً سمع رجلاً يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يردِّدها، فلمَّا أصبح جاء إلى النبي ﷺ فذكر ذلك له -وكأنَّ الرجل يتقالُّها-، فقال رسولُ الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ».
- البخاري-أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟» فشق ذلك عليهم وقالوا: أيُّنا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: «اللهُ الوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ القُرْآنِ».
ومعنى هذه الأحاديث أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن في الجزاء لا في الإجزاء؛ لأنَّه لا يلزم من المعادلة في الجزاء المعادلة في الإجزاء.
ومن أمثلة هذه القاعدة:
ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشرَ مَرَّاتٍ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ».
١٠- حب النبي لها والمداومة على قراءتها:
- فكان يقرأ بها وبـ «الكافرون» في سنة المغرب البعدية.
- كان يقرأها في الوتر وحدَها، ويضيف إليها أحيانا ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.
- كما كان يقرأ بها وبسورة الكافرون في ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) إشارة إلى التوحيد الذي نادى به شيخ الأنبياء.
- وكان يقرأ بها وبالمعوذتين دبر كل صلاة.
- وفي أذكار الصباح والمساء.
- وعند إيوائه إلى فراشه حيث يجمع يديه ويقرأ فيهما بالإخلاص والمعوذتين ثم ينفث فيهما ويمسح بهما سائر جسده، ثلاث مرات.
- وعند مرضه كان يقرأ بها وينفث في يديه ويمسح بهما.
رابعا: الخاتمة:
حماد بن سلمة: «إن دعاك الأمير لتقرأ عليه ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فلا تأته»، فسورة هذه أسماؤها وتلك معانيها وفضائلها جدير بكل مسلم أن ينفق ساعات عمره في طلب خيراتها والاهتداء بأنوارها والوقوف على كنوزها.
