لأهل السنة أصول في إثبات مسائل العقيدة، يتميزون بها عن أهل البدع والضلال، وهي:
أولاً: الإيمان والتسليم والتعظيم لنصوص الكتاب والسنة:
بخلاف أهل البدع والضلال الذين يؤمنون ببعض النصوص ويردون البعض الآخر؛ بسبب الجهل والهوى، وأدلة هذا الأصل كثيرة؛ منها:
1-قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36] .
2-قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: 51] .
3-قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1] .
4-قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65] .
ثانياً: جمع النصوص في الباب الواحد، وإعمالها جميعاً وفق المنهجية الصحيحة:
بخلاف أهل البدع والضلال الذين يتخذون منهجاً مخالفاً لذلك؛ فيعتمدون على نص واحد، أو أكثر، دون بقية النصوص الواردة في الباب، ثم يجعلونه معارضاً للأصول الأخرى، فيتبعون بذلك ما تشابه منه.
وقد حذر النبي من ذلك، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص [رضي الله عنه] أن النبي قال ﷺ: “مَهْلًا يَا قَوْمِ، بِهَذَا أُهْلِكَتِ الْأُمَمُ مِنْ قَبْلِكُمْ، بِاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَضَرْبِهِمُ الْكُتُبَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، إِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ، فَاعْمَلُوا بِهِ، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ، فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ“. أحمد، وصححه الأرناؤوط.
ثالثاً: الاعتصام بالكتاب والسنة:
فهما الهدى والنور، على نقيض أهل البدع والضلال الذين يعتمدون على غير الوحي؛ كما هو الحال مثلا عند الصوفية الذين يعدون أقوال مشايخهم ومناماتهم مصدرا للتشريع، ودليلا من أدلة الدين.
وأدلة هذا الأصل كثيرة؛ منها:
1-قول الله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 16] .
2-قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] .
3-قول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89] .
4-عن زيد بن أرقم [رضي الله عنه] أن الرسول قال ﷺ: “أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ“. مسلم.
فوائد:
يتفرع عن هذا الأصل أمران:
1-إثبات ما أثبته الله ورسوله في الكتاب والسنة الصحيحة، ونفي ما نفاه الله ورسوله في الكتاب والسنة الصحيحة، والسكوت عما سكت عنه الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36] .
2-دفع التعارض بين هذه النصوص، وما قد يفهمه العقل منها مما يخالف الحق والصواب؛ على عكس أهل البدع والضلال ممن يعطون العقل حجما أكبر من قدره؛ بحيث يقدمونه على النصوص؛ وهذا غلو مذموم؛ فإن العقل مهما أوتي من القدرة؛ فإن له حده الذ لا ينبغي أن يتجاوزه، ولا سيما فيما يتعلق بالغيبيات.
** والقاعدة عن أهل السنة: أنه يستحيل أن يقع تعارض بين نص صحيح وعقل صريح، فمن خلق العقل هو من أنزل الوحي، فلا يقع تعارض إلا من جهة نص غير صحيح أو عقل فاسد تلوث بالهوى وسار في طريق البدع والضلال.
رابعاً: فهم نصوص الكتاب والسنة على فهم الصحابة:
وهو المخرج الحقيقي من الفتن، فالكل يدعى بالأخذ بالكتاب والسنة، فأهل البدع والأهواء الذين تعددت مواقفهم من هذا الفهم ومن أصحابه، فترى بعض أهل البدع كالخوارج والرافضة مثلا يطعنون في الصحابة؛ وبالتالي لا يلتزمون فهمهم للنصوص.
ومما يدل على هذا الأصل:
1- قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115] .
2- قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100] .
قال ابن قدامة في (ذم التأويل): “فَمن أحب الْكَوْن مَعَ السّلف فِي الْآخِرَة وَأَن يكون موعودأ بِمَا وعدوا بِهِ من الجنات والرضوان فليتبعهم بِإِحْسَان، وَمن اتبع غير سبيلهم دخل فِي عُمُوم قَوْله تَعَالَى: {وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى} الْآيَة [النِّسَاء 115].
3- قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137] .
4- قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 13] .
5- قال العرباض بن سارية: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: “أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ“.
6-عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: “إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ“. أحمد وغيره وهو حسن موقوف.
بدعة إعادة فهم النص:
وتعني أننا في هذا الوقت لسنا بحاجة لفهم الصحابة [رضي الله عنهم]!! وان هذا الفهم كان لوقت معين مضى وانقضى، وأن علينا أن نفهم النصوص فهما آخر يتناسب مع الحياة المعاصرة.
وأصحاب هذه الفكرة يطلق عليهم: عصرانيون / حداثيون / ليبراليون.
وهي فكرة خبيثة مخالفة لأصول أهل السنة في الاعتقاد من وجوه منها:
