JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

recent
آخر المشاركات
Startseite

مفهوم الخروج على ولي الأمر

أولاً: مقدمة:

جاء الإسلام بجلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، وإن من أهم المسائل التي وُضِّحت وبُيِّنت مسائل السلطان، بينها الله-عز وجل- بيانا شائعا ذائعا بكل وجه من أنواع البيان، شرعا وقدرا، إذ الخلل في هذا الباب يجر الأمة إلى شر وبلاء.

قال ابن تيمية: "ومن تأمل الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي-صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب واعتبر أيضا اعتبار أولى الأبصار علم أن الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأمور". منهاج السنة.

ثانياً-أمر النبي-صلى الله عليه وسلم- بلزوم الجماعة والسمع والطاعة:

عن العرباض بن سارية-أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- عهد إلى الصحابة فقال: "عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلاَفًا شَدِيدًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَة".

**وفي رواية: "قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟

قَالَ: "قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ، فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ حَيْثُمَا انْقِيدَ انْقَادَ".

**وعن حذيفة: "كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ-صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ"، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: "قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ"، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: "نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنَا؟ قَالَ: "هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا"، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: "تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ"، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إِمَامٌ؟ قَالَ: "فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ".البخاري.

*قال النووي: "وفي حديث حذيفة هذا لزوم جماعة المسلمين وإمامهم ووجوب طاعته وإن فسق وعمل المعاصي من أخذ الأموال وغير ذلك، فتجب طاعته في غير معصية، وفيه معجزات لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي هذه الأمور التي أخبر بها وقد وقعت كلها". شرح مسلم.

ثالثاً-أمر النبي-صلى الله عليه وسلم- بالصبر على جور الأئمة في كل الأحوال، وعلى مدى الحياة:

أُسيد بن حُضير- قال-صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ". البخاري ومسلم.

ابن حجر: قوله: "فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ" أي يوم القيامة. أو اصبروا حتى تموتوا، فإنكم ستجدونني عند الحوض، فيحصل لكم الانتصاف ممن ظلمكم والثواب الجزيل على الصبر".

**عبداللَّه بن مسعود-قال-صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا"، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُ من أَدْرَكَ مِنَّا ذلك؟ قال: "تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الذي عَلَيْكُمْ وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الذي لَكُمْ". البخاري ومسلم.

**قال ابن تيمية: "فقد أخبر النبي-صلى الله عليه وسلم- أن الأمراء يظلمون ويفعلون أمورًا منكرة، ومع هذا فأمرنا أن نؤتيهم الحق الذي لهم ونسأل الله الحق الذي لنا، ولم يأذن في أخذ الحق بالقتال ولم يرخص في ترك الحق الذي لهم". منهاج السنة.

**وعن عوف بن مالك-قال-صلى الله عليه وسلم-: "شِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فقال: لا ما أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلاةَ، وإذا رَأَيْتُمْ من وُلاتِكُمْ شيئا تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ ولا تَنْزِعُوا يَدًا من طَاعَةٍ". مسلم.

**سلمة بن يزيد الجُعْفي-أنه سأل رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا نَبِيَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إن قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فما تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرَضَ عنه، ثُمَّ سَأَلَهُ، فَأَعْرَضَ عنه، ثُمَّ سَأَلَهُ في الثَّانِيَةِ أو في الثَّالِثَةِ فَجَذَبَهُ الأَشْعَثُ بن قَيْسٍ، وقال: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عليهم ما حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ". مسلم.

**قال النووي: "أي اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم، وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الأحوال، وسببها اجتماع كلمة المسلمين، فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم". شرح مسلم.

**حذيفة - أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قال: "يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ ولا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ في جُثْمَانِ إِنْسٍ، قال: قلت: كَيْفَ أَصْنَعُ يا رَسُولَ اللَّهِ إن أَدْرَكْتُ ذلك، قال: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ". مسلم.

**فالرسول-صلى الله عليه وسلم- أخبر عن حال شرار الأئمة وأنهم يبغضون رعاياهم، ويلعنونهم، وأنهم دعاة على أبواب جهنم، وأنهم يأتون المعاصي والأمور المنكرة، ويستأثرون بالأموال ونحوها، ويمنعون حقوق الناس، ولا يهتدون بهدي النبي-صلى الله عليه وسلم- ولا يستنون بسنته، وأن بطانتهم ورجالهم قلوبهم قلوب الشياطين في الشر ومنع الخير، وهذا غاية السوء والفساد، ومع ذلك أمر بكراهة ما يأتون من المعاصي بالقلب، وعدم نزع يد الطاعة، وعدم المنابذة بالسيف والخروج عليهم، بل أمر الناس بأداء حق الأئمة عليهم، وهو السمع والطاعة في المعروف، وسؤال الله الحق الذي لهم، وأمر بالصبر على جورهم وأثرتهم حتى الممات، بل أمر بالسمع والطاعة وإن أخذ الأمير مال الإنسان وضرب ظهره على ذلك، وحذر التحذير الشديد من المفارقة وعدم الصبر على الجور، فعن ابن عباس-مسلم-قال-صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً".

**قال النووي: "وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الأحوال، وسببها اجتماع كلمة المسلمين، فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم". شرح مسلم.

رابعاً- أخذ النبي-صلى الله عليه وسلم- البيعة على الصحابة في التزام هذا المنهج:

عبادة ابن الصامت-البخاري ومسلم-: "دَعَانَا رسول اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا على السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ في مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، قال إلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ من اللَّهِ فيه بُرْهَانٌ".

**قال ابن القيم -إعلام الموقعين- عن مخالفة هذا النهج: "فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر".

**فالنبي-صلى الله عليه وسلم- بين هذا الباب أتم بيان، وأحاطه بأوامر وأحكام لا يمكن تجاوزها إلا عند غلبة الهوى واستحكام الجهل، وحذر التحذير الشديد من المفارقة، ولو كانت يسيرة، وبين أن من استذل الإمارة لقي الله-عز وجل- ولا وجه له عنده، وأن من أهان سلطان الله فإن الله سيهينه، في أحاديث كثيرة متواترة، وحفاظا على هذا الأصل، وحماية لجنابه، حرَّم أهل السنة والجماعة التشهير بولاة الأمر، وذكر معايبهم، وسبهم، وسوء الأدب معهم، والجهر بنصيحتهم، إلى غير ذلك من الأمور التي تُضعف هيبة السلطان، وتنقص مكانته في القلوب، مما يوهن عقد السمع والطاعة، ويفرق الجماعة، ولقد زعم بعض خوارج عصرنا، ومثيري الفتن، ومتصدري الضلال، من المتشبعين بما لم يعطوا، المقيمين للدعاوى العريضة على السراب والوهم، أن معنى الخروج على الحاكم قاصر على الخروج بالسلاح فقط، وأن الخروج باللسان سبا وطعنا وذكر مثالب لا يعد خروجا عند أهل السنة، وأن القول بعدم المجاهرة في نصيحة ولاة الأمر بدعة ادعاها مغتصبو الفتيا ومدعو العلم، وهذا القول إنما يقبل وينطلي على مبدأ من يقول: اكذب اكذب اكذب حتى يقال صادق، وإلا فأهل السنة كلامهم في هذا أوضح من شمس النهار، وقعد الخوارج عندهم أخبث الخوارج، ففي مسائل الإمام أحمد لأبي داود: "قعد الخوارج هم أخبث الخوارج".

**قال ابن حجر: "والقعدية الذين يزينون الخروج على السلطان ولا يباشرون ذلك".

فهؤلاء لم يحملوا سلاحا، وإنما زينوا الخروج بألسنتهم بذكر مثالب الولاة والتشهير بهم ونحو ذلك، وهم أخبث الخوارج، لأنه لا يكون خروج بالسنان إلا وقد سبقه خروج باللسان.

**قال ابن تيمية: "الشجار بالألسنة والأيدي أصل لِما جرى بين الأمة بعد ذلك في الدين والدنيا، فليعتبر العاقل بذلك، وهو مذهب أهل السنة والجماعة".

*الدليل: حديث الرجل الذي اعترض على قسمة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- بلسانه قائلا: يا رَسُولَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ، قال: "وَيْلَكَ أو لست أَحَقَّ أَهْلِ الأرض أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ" قال: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ قال ثُمَّ نَظَرَ إليه وهو مُقَفٍّ فقال: "إنه يَخْرُجُ من ضِئْضِئِ هذا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ من الدِّينِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ وَأَظُنُّهُ قال لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ"-البخاري-.

خامساً-أقوال السلف في هذا الأصل:

(أ) أنس-ابن حبان في الثقات-: "كان الأكابر من أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ينهوننا عن سب الأمراء".

"وهذا النهي منهم -رضي الله عنهم- ليس تعظيماً لذوات الأمراء وإنما لعظم المسئولية التي وكلت إليهم في الشرع، والتي لا يقام بها على الوجه المطلوب مع وجود سبهم والواقعية فيهم؛ لأن سبهم يفضي إلي عدم طاعتهم في المعروف وإلي إيغار صدور العامة عليهم مما يفتح مجالاً للفوضى التي لا تعود على الناس إلا بالشر المستطير، كما أن مطاف سبهم ينتهي بالخروج عليهم وقتالهم وتلك الطامة الكبرى والمصيبة العظمي"-معاملة الحكام-.

(ب) أبي الدرداء: "إن أول نفاق المرء طعنه على إمامه".

(ج) أبي جمرة الضبعي: "لما بلغني تحريق البيت خرجت إلى مكة، واختلفت إلى ابن عباس، حتى عرفني واستأنس بي، فسببت الحجاج عند ابن عباس فقال: "لا تكن عوناً للشيطان".

 (د) أبي إدريس الخولاني: "إياكم والطعن على الأئمة، فإن الطعن عليهم هي الحالقة، حالقة الدين ليس حالقة الشعر، ألا إن الطعانين هم الخائبون وشرار الأشرار".

**فمن خالف هذا المنهج، واتبع هواه، فلا ريب أن قلبه مليء بالغل إذ أن السباب والشتائم ينافي النصح للولاة، وقد ثبت عن النبي-صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ثَلاَثٌ لاَ يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ، إِخْلاَصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمُنَاصَحَةُ وُلاَةِ الأَمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ".

**ومن ظن أن الوقوع في ولاة الأمر بسبهم وانتقاصهم من شرع الله تعالى أو من إنكار المنكر ونحو ذلك، فقد ضل وقال على الله وعلى شرعه غير الحق، بل هو مخالف لمقتضي الكتاب والسنة، وما نطقت به آثار سلف الأمة.

**فحق الإمام على الرعية ما قاله ابن جماعة: "رد القلوب النافرة عنه إليه وجمع محبة الناس عليه لما في ذلك من مصالح الأمة وانتظام أمور الملة"، وليس تنفير الناس عنه، وصد الناس عن طاعته، وذكر مثالبه كما يفعله هذا المفتون، وأمثاله من خوارج العصر ينسبون ذلك إلى السنة والأئمة.

سادساً- النصح سرا لا علانية:

يقول-صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلا يُبْدِ لَهُ عَلانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ".

**وقال الشوكاني: "ينبغي لمن ظهر له غلط في بعض المسائل أن تناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد، بل كما ورد في الحديث: أنه يأخذ بيده ويخلوا به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله".

**وعن زياد بن كسيب العدوى: "كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر - وهو يخطب وعليه ثياب رقاق -، فقال أبو بلال (مرداس بن أدية أحد الخوارج): انظروا إلي أميرنا يلبس ثياب الفساق! فقال أبو بكرة: اسكت، سمعت رسول اللهr يقول: "مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الأَرْضِ أَهَانَهُ اللَّهُ".

**فهذا الخارجي أنكر على الإمام أمام الناس، فأسكته الصحابي وبين له أن هذا من إهانة السلطان، وأن من فعل ذلك فإن الله سيهينه، فهل يعتبر خوارج العصر بهذا ويستبينوا سبيل أسلافهم المعوج؟!!

 **سعيد بن جُمْهَانَ قَالَ: أَتَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى وَهُوَ مَحْجُوبُ الْبَصَرِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، قَالَ لِي: مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ وَالِدُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَتَلَتْهُ الأَزَارِقَةُ، قَالَ: لَعَنَ اللهُ الأَزَارِقَةَ، لَعَنَ اللهُ الأَزَارِقَةَ، حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِr "أَنَّهُمْ كِلابُ النَّارِ"، قَالَ: قُلْتُ: الأَزَارِقَةُ وَحْدَهُمْ أَمِ الْخَوَارِجُ كُلُّهَا؟ قَالَ: "بَلِ الْخَوَارِجُ كُلُّهَا". قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَظْلِمُ النَّاسَ، وَيَفْعَلُ بِهِمْ، قَالَ: فَتَنَاوَلَ يَدِي فَغَمَزَهَا بِيَدِهِ غَمْزَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ "وَيْحَكَ يَا ابْنَ جُمْهَانَ عَلَيْكَ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ، عَلَيْكَ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ يَسْمَعُ مِنْكَ، فَأْتِهِ فِي بَيْتِهِ، فَأَخْبِرْهُ بِمَا تَعْلَمُ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْكَ، وَإِلا فَدَعْهُ، فَإِنَّكَ لَسْتَ بِأَعْلَمَ مِنْهُ".

**فتبين من هذا أن المجاهرة في نصيحة ولاة الأمر من مذهب الخوارج، وليست من مذهب أهل السنة في شيء، فالإمام لا ينكر عليه علانية، ولا يسب، ولا يشغب عليه، ولكن ينصح خفية، هذا هو جهاد أهل الحق، فإن كنت صادقا مخلصا محبا لوطنك ولإمامك وللناس، فانصح في السر، ابتغ وجه ربك، فهذا هو الجهاد، فقد سئل النبي-صلى الله عليه وسلم- عن أفضل الجهاد؟ فقال: "كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ".

وتأمل قوله-صلى الله عليه وسلم-: "عِنْدَ إِمَامٍ"، وليس في الفضائيات، ولا في الإذاعات، ولا في مواقع الشبكات، ولا على المنابر والصحف والمجلات، وهذا مع جور الإمام وظلمه، فكيف بمن هو خير منه؟ ويقيم دولة من العدم. 

NameE-MailNachricht